أبي نعيم الأصبهاني

101

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

أكثرهم معرفة وأقواهم يقينا وأكملهم إيمانا كما جاء في الخبر « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » . * أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت أبا عبد اللّه الحارث بن أسد يقول - وسأله سائل - إن النعم من اللّه تعالى على لا تحصى ، ظاهرة وباطنة ، وعامة وخاصة ، صغيرة وكبيرة ، في كل أحوالي ومع كل أسبابى ، ومع كل شيء من بدني وجوارحي وعقلي وطبعى وحياتي وعيشى ، وكل ما أتقلب فيه ، وكل منفعة تحدث في ديني ودنياي ، وكل ليل ونهار يختلف على ، وشمس وقمر وسائر الأشياء نعم على ، إلا أنى أجدني في أكثرها غافلا عن شكره عليها ، إلا النعمة العظيمة كالكرب ينزل بي فيفرج اللّه عنى كربى ، وينفس عنى غمى ، وكالمال الكثير يرزقني ، فان عظمت النعمة انتبهت لعظيم قدرها ، وموقع منفعتها لي ، فانتبهت للشكر وذكرت أنها من اللّه تفضل ، وحمدته عليها ، وسائر النعم لقلة قدرها أنسى أنها نعمة ، فان ذكرت أنها نعمة ذكرتها ذكرا بغير تعظيم لها ، ولم تهج شدة الشكر عليها ، حتى لقد نسيت الشكر عند أكثر النعم ، إلا عند الفرج من الكرب ، أو النعمة العظيمة في المنفعة . فقال الحارث : هذا فعل عامة العباد من الجاهلين ، يعاملون اللّه على قدر عظيم إحسانه وقلته ، وإن أكثر ما قل من النعم لربما كان أكثر منفعة من عظيمها ، وربما كان عظيمها يعقب ضرارا في الدين أو في الدنيا ، ولربما كان إحسان اللّه في النعمة الصغيرة أكثر من النعمة في كبيرها ، لعاقبة منفعتها ، ولربما عظمت النعمة من سعة الدنيا فيطغى صاحبها وتشغله حتى يعصى اللّه فيدخل النار ، ولو كانت النعمة أقل من ذلك لما أطغته ولا ألزمته كثرة الفرائض فيها فلا يقوم بها ، كمن كثرت الحقوق عليه للّه في السعة ، فلم يقم بحقه من أداء الزكاة في مواضعها بغير مكافأة ليد الفقير عنده ، ولا اجتلاب حمد ولا ثناء ، ولا مخافة ذم . وكذلك صلة القرابة والجار المحتاج البين حاجته وغير ذلك . وربما ضرته السعة في الدنيا دون الدين ، وربما قتله كثرة ماله من لصوص